السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

64

مفاتيح الأصول

منه وذلك لأنا نعلم أنّه عليه السلام في قوله الحيض دم أسود لا يريد وضع لفظ الحيض لهذا المعنى ولا نقله من معناه اللَّغوي إلى معنى آخر لأنّ الأحكام الواردة على الحائض التي اتّصفت بالحيض المعروف لغة وعرفا وذلك كالحكم على سائر الحقائق اللَّغوية كقولنا الماء مطهر وماء الورد غير مطهّر والبول نجس والدّم نجس انتهى مفتاح اعلم أنّ عبارات حملة اللَّغة والمدوّنين لها والمؤلَّفين فيها كالجوهري والفيومي والفيروزآبادي لا تخلو من أقسام ثلاثة الأوّل ما يبيّن المعنى الحقيقي والمجازي للفظ صريحا كما إذا قالوا لفظ الأسد حقيقة في الحيوان المفترس ومجاز في الرّجل الشّجاع الثّاني ما يبيّن ذلك على وجه الظَّهور دون الصّراحة كما إذا قالوا هذا اللَّفظ يفيد هذا ولا يفيد ذلك المعنى الثّالث ما لا يبيّن بنفسه أحد الأمرين مطلقا ويكون مجملا في الدّلالة على ذلك كما إذا قالوا لفظة افعل تأتي للوجوب والنّدب والإباحة فإن كان الأوّل فلا إشكال في لزوم الأخذ بما يستفاد من عبائرهم حيثما لم يعارضها ما هو أقوى منها وكذا الكلام في الثاني وإن كان الثالث فاللَّازم التّوقف وعدم الحكم بالحقيقة والمجاز من جهة كلامهم فنطلب دليلا آخر عليهما ونلتمس حجّة أخرى للوصول إليهما وذلك لأنّ الفرض أنّ كلامهم مجمل الدّلالة على أحد الأمرين ولا دليل على أنّ الأصل فيما يذكره اللَّغوي كونه معنى حقيقيّا لا يقال يبعد أن نهيهم اللَّغوي بذكر المعاني المجازيّة ويعتني بنقلها إذ لا فائدة فيه لأن المجاز لا يشترط فيه النقل عن أهل اللَّسان بل يكتفي فيه بنفس العلاقة وما شأنه ذلك لا يكون في نقله فائدة ولا كذلك الحقيقة لأنّه يشترط فيها النّقل عنهم فيكون في نقل اللَّغوي إيّاها فائدة عظيمة لأنا نقول يدفع هذا أمران أحدهما أنّه لو كان بناء أصحاب الكتب اللَّغويّة والمتصدّين لنقلها على مجرّد ذكر المعاني الحقيقيّة دون المجازيّة لاشتهر بين علماء الأصول ولنبّهوا عليه ولأخذوه أصلا كليّا وقانونا مرعيّا كما فعلوه في غيره من الأصول المقرّرة والضّوابط المحرّرة والتالي باطل إذ لم نجد أحدا من المتقدّمين والمتأخرين أشار إليه بوجه من الوجوه بل صرّح المحقّق الثاني في جامع المقاصد وصاحب المدارك فيه والوالد دام ظلَّه في الروضة بخلافه ففي الأوّل أنّ كتب اللَّغة تجمع بين الحقيقة والمجاز من غير تمييز غالبا ثم قال لأنّ رأيهم جمع المعاني التي استعمل فيها اللَّفظ ولا يلتزمون الفرق بين الحقيقة والمجاز وفي الثاني أنّ دأب أهل اللَّغة جمع المعاني الَّتي استعمل فيها اللَّفظ سواء كانت حقيقيّة أم مجازيّة وفي الثالث الصّلاة لغة الدّعاء وشرعا كعبارة المخصوصة كيفيتها المعهودة وعدّها جماعة من أهل اللَّغة من جملة معانيها اللغويّة وفي إثبات الحقيقة بذلك إشكال بل الظاهر العدم وثانيهما أنّه لو صحّ ذلك البناء للزم الحكم باشتراك أكثر الألفاظ لأنّ الغالب أنّهم يذكرون للفظ معاني عديدة وللزم الحكم بكثرة النّقل لأنّ أكثر تلك المعاني معان مجازيّة في زماننا وبطلان اللَّازمين ظاهر وأمّا دعوى عدم الفائدة في ذكر المعاني المجازيّة في كتب اللَّغة فمدفوعة أولا بأنّ عدم وجدان الفائدة لا يستلزم عدمها في الواقع وقد اشتهر بين العقلاء أنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود وثانيا بأنّه لا يبعد أن يدعى أن الفائدة في بيان موارد استعمال العرب رفع حاجة من يشترط النّقل في آحاد المجاز ومن يحتاج إلى معرفة تلك الموارد إمّا لأولويّة الموافقة للعرب في استعمالاتهم وإن جاز الاكتفاء بمطلق العلاقة أو لأمر خارجيّ يتبع الحالات فإذن يكون كتبهم منهلا لكلّ الفرق وما هذا إلَّا فائدة عظيمة وثمرة جسيمة وعلم أنّه قال بعض المحقّقين قد يشكل التمييز بين الحقيقة والمجاز من كتب اللَّغة حيث إنّ الأكثرين خلطوا بين المعاني الحقيقيّة والمجازيّة بحيث يصعب الفرق بينهما غالبا إذ لم يصرّحوا بالاسم ولا بالحدّ والخاصّة إلا نادرا لكن الظاهر أنّهم متى قالوا اسم لكذا فإنّما يعنون الحقيقة وإذا قالوا قد يقال لكذا وقد يطلق على كذا أو جاء أو يجيء لكذا فإنّما يعنون المجاز قال وقد ذكر بعض المحقّقين أنّ أوّل ما يذكرونه في العنوان مقدّما على غيره هو المعنى الحقيقي لبعد تقديم المجاز وكذا كون الجميع مجازات وهو قريب انتهى ولا يخلو عن قوة للبعدين المذكورين مع بعد عدم ظهور الحقيقة عندهم وكون المتقدّم مجازا شائعا وغير ذلك مفتاح إذا اتّفق إجماع الإماميّة على كون لفظ موضوعا لمعنى كما اتّفق في مسألة المشتقّ فإن جماعة ادّعوا الإجماع على كونه موضوعا للمعنى الأعم الشامل للحال والماضي فهل يكون حجّة وإن وجد فرقة تخالفهم في ذلك أوّلا الظاهر الأوّل كما في الأحكام الشرعيّة ولذا عوّل المرتضى وابن زهرة عليه في إثبات الحقيقة الشّرعيّة ووضع الأمر للوجوب في الشريعة وذلك لكشفه عن قول المعصوم عليه السلام بأنّ ذلك اللَّفظ موضوع لذلك وقوله عليه السلام حجّة سواء كان في الأحكام الشرعيّة أو غيرها لأنّ عصمته عليه السلام تمنع من الخطاء لا يقال تمنع من كشفه عن ذلك وإنّما يكشف عنه لو كان محلّ الإجماع ممّا يناط به ويرجع إليه كالأحكام الأصوليّة والفروعيّة وأمّا إذا كان لا يناط به كالمسائل اللَّغويّة فإنّ المناط فيها وضع الواضع فلا بل هم كسائر فرق المخالفين في هذا المقام واتّفاقهم لا يكشف عن وضع الواضع فإن اتّفاق فرقة على أمر مع مخالفة الباقين لا يكشف عن قول من يعتبر قوله في الواقعة وما اتّفاقهم في هذا المقام إلا كاتفاق جماعة من الفقهاء على